عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

313

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 90 ) سورة البلد مكية ، وآيها عشرون آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ( 2 ) ووالِدٍ وما وَلَدَ ( 3 ) * ( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ) * * ( وأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ) * أقسم سبحانه بالبلد الحرام وقيده بحلول الرسول عليه الصلاة والسلام فيه إظهارا لمزيد فضله ، وإشعارا بأن شرف المكان بشرف أهله . وقيل * ( حِلٌّ ) * مستحل تعرضك فيه كما يستحل تعرض الصيد في غيره ، أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النهار فهو وعد بما أحل له عام الفتح . * ( وَوالِدٍ ) * عطف على * ( بِهذَا الْبَلَدِ ) * والوالد آدم أو إبراهيم عليهما الصلاة والسلام . * ( وما وَلَدَ ) * ذريته أو محمد عليه الصلاة والسلام ، والتنكير للتعظيم وإيثار ما على من لمعنى التعجب كما في قوله واللَّه * ( أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) * . لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْه أَحَدٌ ( 5 ) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً ( 6 ) * ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ) * تعب ومشقة من كبد الرجل كبدا إذا وجعت كبده ومنه المكابدة ، والإنسان لا يزال في شدائد مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقة ومنتهاها الموت وما بعده ، وهو تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام مما كان يكابده من قريش والضمير في : * ( أَيَحْسَبُ ) * لبعضهم الذي كان يكابد منه أكثر ، أو يفتر بقوته كأبي الأشد بن كلدة فإنه كان يبسط تحت قدميه أديم عكاظي ويجذبه عشرة فيتقطع ولا تزال قدماه ، أو لكل أحد منهم أو للإنسان . * ( أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْه أَحَدٌ ) * فينتقم منه . * ( يَقُولُ ) * أي في ذلك الوقت * ( أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً ) * كثيرا ، من تلبد الشيء إذا اجتمع ، والمراد ما أنفقه سمعة ومفاخرة ، أو معاداة للرسول عليه الصلاة والسلام . أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَه أَحَدٌ ( 7 ) أَلَمْ نَجْعَلْ لَه عَيْنَيْنِ ( 8 ) ولِساناً وشَفَتَيْنِ ( 9 ) وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ ( 10 ) * ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَه أَحَدٌ ) * حين كان ينفق أو بعد ذلك فيسأله عنه ، يعني أن اللَّه سبحانه وتعالى يراه فيجازيه ، أو يجده فيحاسبه عليه ثم بين ذلك بقوله . * ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَه عَيْنَيْنِ ) * يبصر بهما . * ( وَلِساناً ) * يترجم به عن ضميره . * ( وشَفَتَيْنِ ) * يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها .